الفرد ومصلحة الجماعة، فالإنسان لو ترك وشأنه لن يحقق مصلحته الشخصية فحسب، بل سوف يعمل في الوقت
نفسه على تحقيق الصالح العام. ولذلك كان شعار النظام الرأسمالي ـ اتركه يعمل، اتركه يمر ـ وهى تعنى إطلاق
حرية العمل، إطلاق حرية التجارة داخل البلاد وخارجها.
وبحلول فجر القرن العشرين بدأت معظم الدول في التخلص من هذا النظام، حيث أصبح من الواضح ضرورة تدخل
السلطات العامة في النشاط الاقتصادي لعلاج العيوب والانحرافات التي نتجت عن النظام الرأسمالي الحر وفيما يلي
نتناول بالشرح والتفصيل عيوب النظام الرأسمالي:
أولاً:الحرية الوهمية:الحرية التي افترضها الاقتصاديون أنصار المذهب الرأسمالي ليست مطلقة؛ إذ لا تتمتع بها
سوى فئة محدودة من أفراد المجتمع هي فئة ملاك عناصر الإنتاج. فحرية العمل ـ على سبيل المثال ـ لا يتمتع بها
العامل الأجير الذي غالبا ما يعجز عن إيجاد العمل الذي يرغب فيه وذلك بسبب اشتداد المنافسة بين الطبقة
العاملة التي تكون غالبية الشعب مما يجبرهم على قبول أجور منخفضة حتى لا يتعرضوا للبطالة والتشرد، فأي
حرية كان يملكها أكثر من 12 مليون عامل في الولايات المتحدة الأمريكية، كانوا في حالة بطالة خلال الثلاثينيات
حيث سادت العالم أزمة عالمية كبرى؟
أما حرية الاستهلاك. فليست مطلقة كذلك، وإنما يحد منها الدخل الذي يحصل عليه كل فرد من المجتمع. ويترتب
على ذلك أن طبقة العمال التي تحصل على دخل منخفض ـ نظراً لانخفاض الأجور ـ لا تحصل إلا على الضروريات.
أما طبقة ملاك عناصر الإنتاج فإنها تتمتع حقاً بحرية الاستهلاك، حيث تسمح الدخول المرتفعة بالحصول
على السلع الضرورية والكمالية، بل وحرية الاختيار بين عدد من السلع.
أما حرية الإنتاج فهي تعني ـ كما سبق ـ أن أصحاب رؤوس الأموال يستطيعون إنتاج السلع التي تروق لهم
وبالكميات التي يحددونها، ويترتب على ذلك أن المنتج لا يهتم بتوفير السلع الشعبية في الأسواق، ولا يبالي
بحاجات الأفراد ذوى الدخول المتواضعة، بل يعمل على إنتاج السلع الكمالية مرتفعة الثمن التي يقبل الأغنياء
على شرائها، ليضمن بذلك تحقيق أكبر ربح ممكن.
ويمكن تشبيه الإطار العام للنظام الرأسمالي الحر بنظام المرور في مدينة كبيرة، حيث لا يوجد قانون أو تنظيم
لحركة المرور. ففي هذه الحالة سيقع الكثير من الحوادث , وتعم الفوضى، وترتبك حركة المرور. وستكون
النتيجة الحتمية لمثل هذه الحالة أن يحصل سائقو سيارات النقل الضخمة على أكبر قسط من الحرية، ويكون
ذلك على حساب سائقي السيارات الصغيرة، الذين يحصلون على قدر بسيط من الحرية يهددون به حياة راكبي
الدراجات، وهؤلاء بدورهم يحصلون على قدر طفيف جداً من الحرية يعرضون بها حياة المشاة للخطر،
وهكذا نجد انه في هذا النظام يحصل القوى على حريته أما الضعيف فلن تكون حريته إلا كلمة خالية من كل
معنى وبذلك ينتصر "قانون الغاب" حيث تعيش الذئاب الحرة مع الخراف الحرة!.
ثانيا:الاحتكار والإسراف في استخدام الموارد:يقصد بالاحتكار انفراد مشروع من المشروعات بعمل معين يقوم به،
بحيث لا يستطيع مشروع آخر منافسته فيه. ويترتب على ذلك أن المحتكر يستطيع السيطرة على السوق من حيث
تحديد الأسعار والكميات. ولا شك فيه أن للاحتكار مساوئ متعددة، لأن المحتكر غالباً ما يستخدم وسائل غير
مشروعة للقضاء على منافسيه والتخلص منهم حتى يستطيع أن يتحكم وحده في السوق غير عابئ بما يترتب
على ذلك من إرهاق للمستهلك.
وعندما يحتكر السلعة عدد من المنتجين فإنهم يلجئون إلى تحديد حجم الإنتاج وحرمان السوق من السلعة
لرفع أسعارها وتحقيق أرباحهم الاحتكارية، ورغم أن في إمكان المصانع والمزارع أن تنتج المزيد وبأسعار
منخفضة، أي أن المحتكرين يفضلون بقاء آلاتهم عاطلة ومزارعهم يابسة، مسرفين في ذلك في استخدام الموارد
حتى يقل المعروض من السلعة وترتفع أسعارها.
ومن الناحية العملية البحتة، نجد أن العديد من الصناعات التي بدأت منافسة، قد انتهت بنوع من التركيز
والاحتكار. فصناعة الغزل والنسيج التي كانت تعتمد على قدر محدود من الأنوال البدائية، وكان في استطاعة
الأفراد أن يقيموا آلاتها أسفل منازلهم، أصبحت الآن في غاية التقدم الفني والآلي وفي مصانع كبيرة تضم عشرات
الآلاف من العمال. وهكذا في باقي الصناعات، كما أن هناك نوعاً من الإسراف في الموارد، فقد أنفقت الولايات
المتحدة الأمريكية على الإعلان والدعاية عام 1960م، تجاوز 50 مليار فرنك سويسري، أي ما يزيد على الدخل
القومي لسويسرا في ذلك العام وبحساب بسيط نجد أن نصيب الفرد من الدعاية والإعلان في أمريكا يعادل
150 دولار سنوياً، وهذا الرقم يزيد كثيراً عن متوسط دخل الفرد السنوي في كثير من الدول النامية مثل إندونيسيا
وأثيوبيا والصومال على سبيل المثال.
ثالثا:سوء توزيع الدخل والثروة:يرتكز النظام الرأسمالي على عدد من الدعائم أهمها الملكية الخاصة لعناصر
الإنتاج. ونظراً لندرة عناصر الإنتاج بالنسبة لعدد السكان في كل دولة وتبقى جمهرة الأفراد معدمة. وبعبارة أخرى فإن
أصحاب عناصر الإنتاج يحصلون على دخلهم من عناصر الإنتاج فقط كما هو الحال بالنسبة لأصحاب الأراضي
الذين يحصلون على الريع أو الإيجار، وبالنسبة لأصحاب رؤوس الأموال الذين يحصلون على الفوائد. وقد يحصل
بعض أصحاب عناصر الإنتاج على دخلهم من عناصر الإنتاج ومجهودهم الشخصي كما هو الحال مثلاً بالنسبة
للمنظمين الذين يحصلون على الأرباح.
هذا عن أصحاب عناصر الإنتاج، أما العمال الذين لا يملكون عناصر الإنتاج فإنهم يحصلون على دخلهم
ـ الأجور ـ مقابل المجهود الذي يبذلونه. ومن الطبيعي أن يترتب على هذا الوضع زيادة ثراء أصحاب عناصر
الإنتاج نتيجة ارتفاع دخولهم، ومن ثم إمكان ادخار جزء من هذا الدخل وإعادة استثماره، مما يؤدي إلى
زيادة ملكية عناصر الإنتاج وتراكمها في أيدي عدد قليل من الأفراد.
هذا الوضع يؤدى في الوقت نفسه إلى بقاء الطبقة العاملة في مستوى معيشي منخفض، لأن العامل الذي
يحصل على دخل منخفض لا يتمكن من الادخار، ومن ثم لا يستطيع تمللك عناصر الإنتاج.
ولا يتوقف أثر سوء توزيع الدخل والملكية على النواحي الاقتصادية والاجتماعية، وإنما يتعداه كذلك إلى الميدان
السياسي، وذلك انه من المتوقع في مجتمع يسيطر فيه الأغنياء على مقومات الحياة الاقتصادية والاجتماعية
أن يمتد نفوذهم وسلطانهم إلى إدارة شؤون الدولة والحصول على أعلي المراكز فيها. ويكون سبيل الأغنياء
في ذلك هو السيطرة على الأحزاب وانتخاباتها بما يملكون من أموال تنفق في الأعلام والدعاية وشراء الذمم.
ومع مرور الزمن نجد أن الطريقة الرأسمالية تزداد قوة وإحكاماً بفضل ما توفره لأبنائها وأعضائها من فرص
الحياة والتعليم والترقي، في الوقت نفسه الذي تتوارث فيه الطبقات الكادحة فقر آبائها.
رابعاً:التقلبات الاقتصادية والبطالة ـ الدورات الاقتصادية:يعتقد أنصار النظام الرأسمالي أن "جهاز الثمن" كفيل
بتحقيق التوازن التلقائي بين الإنتاج والاستهلاك. والوقع ـ كما أثبتت التجربة ـ أن هذا التوازن لا يمكن أن يحدث
بطريقة تلقائية. ويرجع ذلك إلى انه في ظل النظام الرأسمالي الحر، يتولى المنظمون وأصحاب المشروعات وضع
خطط الإنتاج التي تعتمد إلى حد بعيد على التنبؤات والتوقعات المستقبلية. وقد أثبتت التجربة أن المنظم الفردي
وحده لا يتوفر لديه الإمكانات لدراسة الطلب في الأجل الطويل، ولاسيما لدراسة الحالة الاقتصادية بصفة عامة
وما ينتظر أن يطرأ عليها من تغيرات، ويترتب على ذلك أن الطلب الفعلي على سلعة معينة قد يزيد وقد ينقص
عما كان يتوقعه المنظمون أو أصحاب المشروعات، مما يؤدى إلى اختلال التوازن بين الإنتاج والاستهلاك.
ولذلك يمكن القول: إن التقلبات الاقتصادية ـ رواج وكساد ـ هي في الواقع سمة من سمات النظام الرأسمالي
الحر. وتظل دراسة اقتصاديات الدول الغربية التي اتبعت هذا النظام أكثر من مائة عام دليلاً قاطعاً على حتمية
التقلبات الاقتصادية في هذا النظام، وما يترتب على ذلك من بطالة خلال فترات الكساد.
وتاريخ الدورات الاقتصادية طويل في ظل النظام الرأسمالي، فهناك ما يسمى بالدورة القصيرة جداً، والدورة متوسطة
الأجل والتي تحدث بين فترة تطول من 5ـ10 سنوات، وهناك دورات طويلة الأجل تحدث كل 10 سنوات أو 15
سنة، بل يذهب البعض إلى أن هناك دورات تحدث كل 50 سنة.
وهناك تفسير أخر لأسباب الدورات الاقتصادية طويلة الأجل، هو أنها تحدث نتيجة آثار الأحداث السياسية المهمة
كالحروب أو الاكتشافات العلمية الضخمة التي تغير من طبيعة النشاط الاقتصادي الإنتاجي في المجتمع مثل
اكتشاف البخار أو الكهرباء أو غيرها. وتفسير الدورات المتوسطة بأنها تحدث كل 10 سنوات في المتوسط
باعتبارها الفترة اللازمة لتجديد المعدات الرأسمالية المستهلكة كالآلات مثلاً، مما يؤدى إلى تنشيط الطلب عليها لفترة
لابد أن يعقبها فترة فتور في الطلب، نظراً لطبيعة هذه السلع المعمرة. أما الدورات القصيرة فتفسيرها العام هو
أنها تحدث كل ثلاث سنوات تقريباً، أو كل أربعين شهراً تقريباً.
نظراً لما يحدث خلال هذه المدة من تراكم البضائع والمخزون السلعي لدى المنشآت، يعقب ذلك فتور في الطلب،
يؤثر بالتالي على نشاط المصانع المنتجة للسلع، إلى أن تتخلص المنشآت مما لديها، فتبدأ فترة أخري
من التوسع في الطلب.
منقول من منتديات ستار تايمز